حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

178

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ومكادة وضعت لمقاربة الشيء ، فعل أو لم يفعل . فمجرده ينبئ عن نفي الفعل ، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل . وخبر كاد فعل مضارع بغير « أن » وهو هاهنا « يخطف » والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة ، « كلما أضاء لهم » استئناف ثالث كأنه قيل : كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره ؟ وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكا أخذوه والمفعول محذوف ، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره . والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو . « وأظلم » إما لازم وهو الظاهر ، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه ، ومعنى « قاموا » وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد . وإنما قيل مع الإضاءة « كلما » ومع الإظلام « إذا » لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه ، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة ، وليس كذلك التوقف والتحبس ، ولو شاء اللّه لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي الضوء البرق فأعماهم . ومفعول « شاء » محذوف ، لأن الجواب يدل عليه . والمعنى ولو شاء اللّه أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها ، وهذا الحذف في « شاء » و « أراد » كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله : فلو شئت أن أبكي دما لبكيته * عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وقال عزّ من قائل لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ [ الأنبياء : 17 ] وكلمة « لو » تفيد انتفاء الثاني لانتفاء الأول . وقد تجيء للمبالغة كقوله « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت ، فعلى تقدير الخوف أولى . والشيء أعم العام كما أن اللّه أخص الخاص ، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال . وهذا العام مخصوص بدليل العقل ، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته ، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده ، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آنا من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه . وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته ، ونقضيها العجز . فلا قادر بالحق إلا هو سبحانه وتعالى . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) القراءات : « خلقكم » مدغما : أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك . وازاد